عثمان بن جني ( ابن جني )

269

سر صناعة الإعراب

وهذا الذي ذهبت إليه ، وأقمت الأدلة عليه أحد ما أخذته عن شيخنا أبي علي ، وهو معنى قوله وجمل مذهبه الذي حصّله عن جلّة أصحابه ، وقد أوردت ألفاظه فيه ، وفتّقت كلامه ، وأوضحت معانيه ، فاعرفه ، فإنه من غامض هذه الصناعة ولطيفها ، وقس عليه ما جرى مجراه ، فهذا كله يؤكد عندك أنهم إنما جمعوا بالواو والنون ما ليس مذكرا عاقلا ، لأنهم عوّضوه ذلك من الحذف أو الإعلال العارض له . فإن قلت : فيلزمك على هذا أن تقول في « قدر » : « قدرون » لأنها مؤنثة بغير هاء ، وكذلك في « نعل » : « نعلون » وفي « عناق » : « عناقون » وفي « يد » : « يدون » لأنها محذوفة ، وفي « شابّة » « 1 » : « شابّون » لأنها مسكّنة الحرف الأول مدغمته ! فالجواب : أن ذلك لا يجوز شيء منه كما جاز غيره مما قدمنا ذكره ، وذلك أنه قد كان القياس في : « ثبون » و « ظبون » و « أرضون » و « إحرّون » و « إوزّون » و « أبيكرين » و « الدّهيدهين » و « الفتكرين » و « البرحين » ألا يجوز شيء منه إذ كانت الواو للمذكر العاقل ، وهذه مؤنثة غير ذات عقل ، ولكنهم فعلوا ما فعلوه توسعا وعلى ضرب من التأول ، فإن جاء له نظير فقد عرفت طريقه ، وإن لم تسمع له نظيرا لم تقس عليه غيره لأنه لم ينقد في بابه . ومثل ما تقدم قولهم في اسم البلد : « قنّسرون » و « فلسطون » و « يبرون » ، و « نصيبون » و « صريفون » و « عاندون » . ووجه الجمع في هذه الأشياء أنهم جعلوا كل ناحية من « فلسطين » و « قنّسرين » كأنه « فلسط » و « قنّسر » وكأن واحد « يبرين » : « يبر » « 2 » وواحد « نصيبين » : « نصيب » وواحد « صريفين » و « عاندين » : « صريف » و « عاند » . وكذلك « السّيلحون » « 3 » كأن واحدها « سيلح » وإن لم ينطق به مفردا ، و « الناحية » و « الجهة » مؤنثتان ، فكأنه قد كان ينبغي أن تكون في الواحد هاء ، فصار « فلسط » و « قنّسر »

--> ( 1 ) الشابة : المرأة الفتية . لسان العرب ( 1 / 480 ) مادة / شبب . ( 2 ) يبر : واحدة يبرين ، ويبرين اسم موضع يقال له رمل يبرين . لسان ( 5 / 293 ) . ( 3 ) سيلح : واحده السيلحون وهو اسم موضع . لسان العرب ( 2 / 488 ) مادة / سلح .